تخطَّ إلى المحتوى
شعار بودكاست تَمرة
اقرأ حكاياتنا

من قوطي دهنة إلى هايبرماركت: حكاية الحاج سعيد المحروس ومزايا

31 أكتوبر 2026 · قراءة في ٤ دقائق

في القطيف إشارةٌ مرورية يعرفها الناس باسم متجر: «إشارة مزايا». ويروي محاور الحلقة أن ابنته الصغيرة صنعت من الكرتون رفوفًا ووضعت عليها علب العصير، وحين سألها ماذا تفعل قالت: «أسوّي مزايا». خلف هذا الاسم حكاية بدأت قبل نحو سبعين عامًا، بصبيّ في الثانية عشرة يمشي إلى الخبر.

صبيّ من الشريعة

وُلد الحاج سعيد المحروس، رحمه الله، في حيّ الشريعة وسط القطيف القديمة، محاطًا بالأسواق: السكة من جهة، والجبلة من أخرى، والقلعة شمالًا، والنخيل والبحر غربًا. وقرب بيته «براحة الدهن» التي كانت يوم الخميس سوقًا للسمن والبذور والأدوات الزراعية. لم يكن أبوه تاجرًا، لكن جدّه وعمّه كانا كذلك، وكانت الأسواق من حوله، كما يقول ابنه عبد العزيز، محفّزًا يوميًا للعمل.

بدأ في الثانية عشرة صرّافًا؛ يأخذ عملة البلد آنذاك، الريال الفرنسي والروبية الهندية، ويمشي إلى ميناء الخبر، فيبدّل للحجاج القادمين من الهند وإيران وغيرها، ويشتري منهم ما يرى أن البلد يحتاجه. كان الطريق مشيًا على الأقدام، فالدوابّ في ذلك الزمن لمن يملكها.

البحرين وزمن الحرب

ثم اتجه إلى البحرين، وله فيها أعمام، فكانت بابه إلى بضائع جديدة لم يعرفها أهل القطيف، كالفوانيس والحلويات. وحين جاءت الحرب العالمية الثانية صارت البحرين، تحت الحكم البريطاني، ممنوعة من تصدير ما عندها، فاحتال على الحصار بقرابته هناك، إذ لم يكن أحدٌ يفرّق بين قطيفي وبحريني. ثم اشترى لنجًا سمّاه «أم العباية»، وظل سنوات يعبر به ويعود، رغم أن الطريق كان يُغلق أحيانًا وقد تُعاد البضاعة.

بعد الحرب انفتح الطريق، وكبرت تجارته شيئًا فشيئًا، ودخل في شراكات مع كبار تجار البلد ثم استقل. يصفه ابنه بأنه كان «عينه برّا وقلبه هنا»: يرى ما في الخارج ويجلبه لأهل بلده.

علامة «الكرسي»

كانت القطيف تنتج زبدتها وسمنها بنفسها، ثم تضاعف عدد السكان ولم يعد الإنتاج يكفي؛ حتى الدجاج كان ينتظره الناس من خميس إلى خميس، والبيض يُسأل عنه بين البيوت. فقرّر أن وقت الاستيراد قد حان. عبر معرضٍ تجاري للسفارة الأسترالية في البحرين التقى مندوبًا، وعرض عليه الفكرة، فوُلدت زبدة «الكرسي»، العلامة المسجّلة باسم سعيد المحروس حتى اليوم، والمكتوب اسمه على علبها، والتي تغطي السعودية والخليج.

كانت الشركة تستورد المواد الغذائية وتبيعها بالجملة من مقرها في الدمام لأصحاب البقالات في الأحساء والرياض والقصيم وغيرها، وهو نشاطها الأساسي إلى الآن.

ابنٌ في المكتب

عبد العزيز، أبو سعد، هو الابن الأكبر. بدأ يرافق أباه إلى المكتب منذ الصف الثاني المتوسط، فيُكلَّف بإصدار فاتورة حين يغيب موظف، أو بتفقّد المستودع لزبون يطلب خمسين كرتونًا. ويتذكر جيران المحل في شارع الملك سعود بالدمام وكيف كانوا يكرمونه بالحلوى. ثم سافر إلى أمريكا ودرس التجارة والتسويق، وعاد في الثمانينيات الميلادية ليستلم العمل، بينما كان أخواه بدر وخالد قد واصلا المشوار مع الوالد.

منحه الوالد صلاحيات واسعة، فتوسّعت الشركة؛ ما كان يُستورد بألف أو ألفي طن صار يُستورد بعشرة آلاف.

هايبرماركت في القطيف

في أمريكا كان يمشي في المراكز التجارية الكبيرة ويقول في نفسه: «لو كان هذا عند الوالد». ولما انضم إليه أخواه، صار السؤال: إلى أين تتوسع الشركة؟ إما صعودًا إلى التصنيع، بما يتطلبه من عمالة وتراخيص ضخمة، وإما نزولًا إلى البيع بالتجزئة. فاختاروا التجزئة، في زمنٍ كان فيه موظفو أرامكو يشترون حاجاتهم من مقاصف الشركة، ثم جاءت الطفرة وارتفعت الرواتب وكبر الطلب.

اشتروا أرضًا على زاوية شارع الرياض، وحين أنهوا ترخيصها اتصل بهم جارٌ لا يعرفونه شخصيًا يعرض عليهم الأرض المجاورة بعد وفاة والده، فاشتروها وأعادوا الترخيص من جديد، ليتسع المكان للمواقف. لم تكن البلدية تشترط المواقف آنذاك، لكنهم رأوا ألا متجر بلا مواقف، وألا يُزعج الجيران.

افتُتحت مزايا يوم السبت ٩ مارس ٢٠٠٢م، بحضور محافظ القطيف آنذاك وشخصيات البلد. وجاء الإقبال «فوق ما كنا نتوقع»؛ فقد صار بوسع الموظف الذي يعود إلى بيته في الخامسة أن يشتري الخضار واللحم وكل شيء في مكان واحد، وصار المشوار نفسه نزهةً للأطفال.

تحديات زمن الوالد

كان الوالد لا يقود السيارة، فاعتمد على سائق من البحرين يسكن في حيّهم. وكان المؤهلون للعمل قليلين، والعمالة الوافدة لا تفضّل القطيف على الدمام، فكان الاعتماد على عمّال من عُمان واليمن، وعلى رجال أوفياء من أهل البلد عملوا مع العائلة طوال أعمارهم.

كيف تعيش الشركة العائلية بعد مؤسسها

يعرف أبو سعد أن كثيرًا من المشاريع العائلية تموت بموت صاحبها. والفرق عندهم، كما يرى، أن الوالد أدخلهم العمل وهو حيّ، وأعطاهم الصلاحيات، وظلّ أكثر من عشر سنوات يخفّف من حضوره يومًا بعد يوم عن قصد. وتقاسم الإخوة العمل، فلكلٍّ اختصاصه، ويغطي أحدهم عن الآخر دون حساسية.

في عام ٢٠١٣م تحوّلت المؤسسة إلى شركة لسعيد المحروس وأولاده، بحصص موثّقة لكل فرد، بمن فيهم الأخوات. واليوم يعمل الإخوة على نظام حوكمة للشركة العائلية يحدد المسؤوليات والصلاحيات وقواعد بيع الحصص، وقد اكتمل معظمه، بينما دخل الجيل الثالث إلى الإدارة في جدة والرياض.

الحاجة قبل المال

يختصر أبو سعد فلسفة أبيه وفلسفته في جملة: أساس التجارة البحث عن حاجات الناس. من فانوسٍ جُلب من البحرين، إلى سمنٍ استُورد حين لم يكفِ سمن البلد، إلى متجرٍ يجمع ما يحتاجه الناس تحت سقف واحد. «المال سيأتي تباعًا»، أما المشروع الذي يسعى للمال وحده بلا فائدة للمجتمع، فقد لا يكمل. وما زالت الخطوة التالية في ذهن الإخوة: العودة إلى فكرة المصنع.