من «شوكة» و«مائدة» إلى «لوكيت»: حين اختار المتنافسان أن يندمجا
31 October 2026 · 5 min read
This story is in Arabic.
كانت هذه أول حكاية يرويها بودكاست تَمرة. والمعيار في اختيارها، كما يقول المحاور، لم يكن حجم الأرباح، بل الأثر: مشروع صغير وفتيّ، لكنه فتح أبواب رزق لبيوت كثيرة في القطيف. وأبطالها اثنان كان يُفترض أن يكونا متنافسَين: علي خاتم من تطبيق «مائدة»، وحسام آل يحيى من تطبيق «شوكة».
طفلان وحاسوب
تبدأ الحكايتان بالطريقة نفسها: صبيّ أمام حاسوب في زمن كانت فيه الحواسيب نادرة. حسام في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وأبوه، كما يعتقد، صاحب أول محل حواسيب في القطيف، فتعلّم لغة البرمجة الأولى صغيرًا. ثم عمل في مقهى إنترنت في شارع القدس، ووجد في صاحبه مرشدًا علّمه كيف تُبنى الشبكات. ومن هناك امتدّ طريقه نحو عشرين عامًا في ريادة الأعمال، أغلبها في مشاريع اتصالات خارج المملكة، في غرب إفريقيا، بين ربط شركات الاتصال الدولية والمساهمة في تأسيس شركة جوّال.
أما علي فكان أول حاسوب عنده وهو في الصف الثاني الابتدائي، وتعلّم لغات البرمجة لاحقًا من الإنترنت وحده.
«مطاعم سيهات»
بدأت «مائدة» قبل أن يكون لها اسم، عام ٢٠١١م، موقعًا بسيطًا اسمه «مطاعم سيهات»: دليلٌ يجمع قوائم المطاعم وأسعارها، ومن أراد يتصل. كان علي يومها في كندا، ورأى تطبيقات توصيل الطعام هناك، فقرّر في ٢٠١٢م أن يجرّب الطلب الإلكتروني، بثلاثة مطاعم فقط ودون دفع إلكتروني.
لم تتقبّل المطاعم الفكرة بسهولة: «الزباين يجوني، ليش أشترك معك؟». والزبون نفسه كان يرى أن مكالمة هاتفية أسرع من فتح موقع. لكن علي كان يراقب عدّاد الزوار يرتفع، فيشعر أن الناس تستجيب، ويواصل التطوير.
«شوكة» وُلدت من مكالمة
في أواخر ٢٠١٦م كان حسام وشركاؤه يجلسون لاستعراض أفكار لمشروع جديد له رسالة. وفي البيت سمع زوجته تحاول أن تشرح للسائق أين المطعم وماذا تريد بالضبط، والسائق لا يعرف الطريق ولا الطلب. فخطرت الفكرة: مكان واحد يجمع المطاعم وقوائمها، ويدير الطلبات دون مكالمات. ظنّوها في البداية «براءة اختراع»، ثم اكتشفوا أنها منتشرة في آسيا وغيرها، لكنها لم تكن موجودة في السعودية بحسب علمهم آنذاك، فاعتبروا أنفسهم من أوائل تطبيقات التوصيل في المملكة. كانوا أربعة شركاء، بلا تمويل خارجي، ووظّفوا مبرمجين يعملون تحت إشرافهم.
كورونا: الضارّة النافعة
كان النمو صحيًا وطبيعيًا، حتى جاءت الجائحة. أُغلقت المطاعم ثلاثة أسابيع أو شهرًا، ثم بدأت تفتح مع الاحترازات، ولم يعد الطلب الإلكتروني خيارًا بل ضرورة. من تردّد في استخدام التطبيق اضطر إليه، ثم اكتشف أنه أسهل. لم يكونا مستعدَّين لتلك القفزة، يعترف حسام، فقد كان عدد المناديب قليلًا، وكل مندوب يحتاج تصريحًا، والتصاريح تتأخر. لكنهما واكبا الضغط، وخرجا منه بثقة أكبر في قدرتهما على التوسع.
من التنافس إلى التقاطع
قبل كورونا بقليل، في ٢٠١٨ أو ٢٠١٩م، اتصل مصطفى العيد، المدير التنفيذي لمائدة وأحد مؤسسيها، بحسام: لنجلس. كانت مائدة تمتد من سيهات نحو القطيف، وشوكة تمتد من القطيف نحو سيهات، فطرح مصطفى فكرة الاندماج بدل التنافس. اتفقوا شفهيًا، لكنهم رأوا أن أحدًا منهم لم يبلغ بعد النضج التقني والإداري الذي يجعل الاندماج صحيًا.
ثم جاءت الجائحة، وصارت المشكلات تقنية في الغالب، فصار حسام يتصل بعلي ساعاتٍ على الهاتف: كيف حللت هذه المشكلة؟ كيف فعلت تلك؟ لم يكن التعاون تشغيليًا بل تبادل خبرات. ويقول علي إنه كان يكلّم «صديقًا كبيرًا» لا منافسًا. ومع الوقت، صاروا يعملون كأنهم فريق واحد دون أن يقرّروا ذلك، فجاء الاندماج الرسمي تتويجًا لاندماجٍ أخويّ سبقه.
اندماج له ثمن
يشبّه المحاور الاندماج بالزواج: يقيّد القرار، لكن صاحبه يربح شراكة. وعند الشريكين أن كل طرف كان قويًا فيما ضعف فيه الآخر. ناقشوا مبكرًا مواضع الخلاف المحتملة، ورسموا صورة إدارية جديدة قبلها الطرفان، لأنهم كانوا يعرفون أن تركها سيعني تضاربًا يخسر فيه الجميع.
أصعب ما في الأمر كان الدمج التقني: نظامان مبنيّان بلغتين وقاعدتي بيانات مختلفتين، ونموذجا عمولة متقاربان لكن غير متطابقين. فاختاروا بناء تطبيق جديد من الصفر، بنموذج عمل موحّد، واسم جديد هو «لوكيت»؛ ليقولوا إن الرسالة تغيّرت: توسّع خارج المنطقة، وخدمات تتجاوز الطعام إلى البقالة والملاحم والخضار والورود والهدايا. وحين قاسوا الأداء بعد عامين، جاءت الأرقام أعلى من توقعاتهم: «واحد زائد واحد ما صار اثنين».
انتقل المناديب إلى تطبيق واحد بسهولة، وانتقل نحو سبعين بالمئة من العملاء في الأسبوعين الأولين. وبقي «شوكة» و«مائدة» يعملان لأن لهما محبّين لا يريدون تركهما.
رزقٌ في بيوت
يعتبر الشريكان المندوب صاحب عمل حرّ لا موظفًا. في الجائحة جاءهم من سُرّح من عمله، وسمعوا من مناديب أن دخلهم صار أعلى من رواتبهم السابقة، ومن آخرين أنهم سدّدوا ديونهم. ثم دخلت المندوبات، قليلات في البداية، حتى صار أداء بعضهن يوازي الرجال. وتروي إحداهن في الحلقة أنها تأخذ في أيام الأسبوع أربعة أو خمسة طلبات، وفي نهاية الأسبوع حتى اثني عشر، فيعادل دخلها الشهري راتبًا كاملًا، وأن بعض الفتيات اتجهن إلى التوصيل لسداد أقساط سياراتهن.
وحين سُئلا عن الشكوى من دخول عمالة وافدة، قالا إن تطبيقهم من أكثر تطبيقات التوصيل سعودةً في المملكة، وإن الوافدين دخلوا مؤخرًا فقط لسدّ النقص في أوقات الضغط، ولا تتجاوز نسبتهم خمسة بالمئة. كما يعملون على قسم للأسر المنتجة بشروط جودة والتزام صارمة، بعد تجربة أولى أغلقوها لصعوبات تشغيلية.
حين ينزل الشريك ليوصل
ما يميّزهم، كما يقول حسام، أن الشركاء عملوا بأيديهم: برمجوا، وحاسبوا، وسوّقوا، ووصّلوا. ويتذكّر أول رمضان، وقت السحور، حين انهالت الطلبات دفعة واحدة، فكان يضع الحاسوب في السيارة، يبحث عن الطلب المتأخر، ويوصله بنفسه ويعتذر للزبون ولا يأخذ منه شيئًا. ولذلك حين يشتكي له مندوب يقول له: «ترى أنا كنت في مكانك».
نصيحة
«ابدأ بسيطًا»، يقول علي؛ فـ«مطاعم سيهات» بدأت بلا رأس مال تقريبًا، وبفكرة واحدة. ويضيف حسام: ابدأ بمشكلة حقيقية يحتاج الناس حلّها، فكثير من المشاريع اللطيفة توقفت لأن أحدًا لم يكن يحتاجها. وابحث عن «شريك ذهبي» يسندك. ثم يختصر الدرس كله: «ركّز على أنك تنجح، لا على أنك تربح اليوم»؛ فالمال، في نظره، مقياسٌ لجودة الخدمة، يأتي تباعًا إذا جاءت.
